علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

162

ثمرات الأوراق

فعاودني فكري في نفاسة هذا الحجّام وحسن أدبه وظرفه ، فقمت وغسلت وجهي وأيقظته ، وأخذت خريطة كانت صحبتي ، فيها دنانير لها قيمة ، فرميت بها إليه ، وقلت له : أستودعك اللّه ؛ فإنّني ماض من عندك ، وأسألك أن تصرف ما في هذه الخريطة « 1 » في بعض مهمّاتك ؛ ولك عندي المزيد إن أمنت من خوفي . فأعادها عليّ منكرا وقال : يا سيّدي ؛ إنّ الصعاليك منّا لا قدر لهم عندكم ، أآخذ على ما وهبنيه الزّمان من قربك وحلولك عندي ثمنا ! واللّه إن راجعتني في ذلك لأقتلنّ نفسي . فأعدت الخريطة إلى كمّي وقد أثقلني حملها . فلمّا انتهيت إلى باب داره ، قال لي : يا سيّدي ؛ إنّ هذا المكان أخفى لك من غيره ، وليس في مؤنتك [ عليّ ] « 2 » ثقلة ؛ فأقم عندي إلى أن يفرّج اللّه عنك ؛ فرجعت وسألته أن ينفق من تلك الخريطة فلم يفعل ، فأقمت عنده أيّاما على تلك الحالة في ألذ عيش . فتذممت « 3 » من الإقامة في مؤنته ، واحتشمت من التّثقيل عليه ، فتركته وقد مضى يجدّد لنا حالا « 4 » ؛ وقمت فتزيّنت بزيّ النّساء ؛ بالخفّ والنّقاب وخرجت . فلمّا صرت في الطّريق داخلني من الخوف أمر شديد ، وجئت لأعبر الجسر ؛ فإذا أنا بموضع مرشوش بماء « 5 » ، فبصر بي جنديّ ممّن كان يخدمني فعرفني ؛ فقال : هذه حاجة المأمون ؛ فمن حلاوة الرّوح دفعته هو وفرسه فرميتهما في ذلك الزّلق ، فصار عبرة ، وتبادر النّاس إليه ، فاجتهدت في المشي حتّى قطعت الجسر ، ودخلت شارعا ، فوجدت باب دار ، وامرأة [ واقفة ] « 6 » في دهليز ، فقلت : يا سيّدة النّساء احقني دمي ؛ فإنّي رجل خائف ؛ فقالت : على الرّحب ، وأطلعتني إلى غرفة مفروشة ، وقدّمت لي طعاما ، وقالت : ليهدأ روعك ؛ فما علم بك مخلوق ، وإذا بالباب يدقّ دقّا عنيفا ، فخرجت وفتحت الباب ؛ وإذا بصاحبي الّذي دفعته على الجسر وهو مشدود الرأس ودمه يجري على ثيابه ، وليس معه فرس ؛ فقالت له : يا هذا ما دهاك ! فقال : ظفرت بالغنى وانفلت منّي ، و ( أخبرها بالحال « 7 » ) ؛ فأخرجت خرقا ، وعصبته بها ، وفرشت له ، ونام عليلا ، وطلعت إليّ وقالت : أظنّك صاحب القصة ؟ فقلت : نعم ، قالت : لا بأس

--> ( 1 ) الخريطة : وعاء من جلد . ( 2 ) من ط . ( 3 ) تذممت : خشيت اللوم والذم . ( 4 ) المستجاد « أحوالا » . ( 5 ) ب : « الماء » . ( 6 ) من ب . ( 7 ) المستجاد : « قالت : وكيف ذاك ؟ قال : إبراهيم بن المهدي لقيته ، وعلقت به فدفعني والفرس ، فأصابني ما ترين ، وانفلت مني ، ولو كنت حملته إلى المأمون لحصلت مائة ألف درهم » .